الرفيع بشير الشفيع يكتب :لماذا لم يطرد البرهان الثلاثية

الخرطوم :مرايا برس

كثير من السودانيين ، أفرادا وجماعات يرون في الطريقة التي يتعامل بها البرهان حيال التعامل مع كثير من الملفات مثل ، البعثة ، والثلاثية ، والمطالبة بالجلوس وقبول الحوار والتفاوض (على علاته)، ومنذ أن حدث التغيير ( الطبيعي) ، في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ والى اليوم ، يرونها انها حالة تراخي ومطاطية ، ستؤدي في النهاية لكارثة سياسية ربما تودي بالبلاد الى قاع الهاوية ( المُواقعة).

واذا قرأنا هذه المطاطية من زاوية اخرى أعتقد أننا سنجد عذرا عملياً لها خصوصا وأن المرحلة تحتاج لدبلوماسية ( عسكرية) إستثنائية ، ولا تحتاج لإستخدام عضلات ( طرد ، يطرد ، طردا )، لغرض لتفويت الفرصة على من انتدب فولكر وولباد والثلاثية، وتغيير مجرى السيل السياسي الداخلي الجارف ، وتضييق مصباته ، واعتقد أن البرهان في هذه المرحلة ومنذ ٢٥ اكتوبر ٢١، يعمل بحصافة منقطعة النظير وتَصَبُّر فائق جدا، يناسب المرحلة ، في معالجة الأمور ، خصوصا بالإبقاء على الثلاثية ووضعها في قالب برنامجها الظاهري الذي أتت به، واظهار التوافق معها وقبولها وقبول دورها ، بدلا عن طردها الذي لا تؤمن عواقبه، مع تدويب ( مفعول) مخططاتها وافراغها من المحتوى السالب والماحق للسودان، وتسخيرها لأداء ما يمكن أن يفيد السودان ( إعتباطاً)، وإلا فمصيرها الدوبان وخيبة المقصد فالموت التلقائي ، او مد حبل الصبر لها ،هكذا ؟ دون تنفيذ(المخبوء من الأجندة) ، وحقنها بإشتراطات ( تنفيذ ) مشروع المشروع الظاهري التي جاءت من أجله كما تدعي.

وأعتقد أن مهمتها الظاهرية ( اصلاح ذات البين في السودان)، ونسبة لقلة وعدم معرفة مكونات الثلاثية ، وجهل اليسار بالواقع الإجتماعي والثقافي والتاريخي والديني السوداني ، سيجعل من الإعسار بمكان تحقيق هذه المهمة الظاهرية ( أصلاح ذات البين).

من خلال متابعتي للقاء تلفزيوني خاص مع البرهان ، هذا الصباح في احدى القنوات، أكاد أجزم أن الرجل يملك من الحصافة والوعي والتكتيك والتكنيك والحنكة وضبط الخطاب المناسب ، ما ندر أن نجده في أغلب قادتنا منذ الإستقلال ، ولأول مرة أشهد أن قائد سوداني يتوقف في خطابه بين حركات ( السكون والفتح والضم والكسر) وعلى مواطن الوقف ،؛وبما بمليه النحو السياسي المطلوب ، وكشف وفضح الفاعل والمفعول والفعل ويجيد التعبير عن طريق التورية والإشارة، لما يريد بصورة مناسبة،؛ فالرجل ماهر جدا جدا في اجاباته ، محدود جدا في جُمله وتعابيره، ويخرج من التوريط والحرج السياسي السالب مثل السبيبة من العجين ، وهذا ما افتقدناه في قادتنا السابقين( اصحاب الشفافية الجهيرة ، المُضرة).

واعتقد ان الرجل بهذه الصفات ، يؤجل مشروع الفوضى الخلاقة والحرب الفاصلة وانهيار الجيش أو يلغيها، ويبطيء عجلة التسارع في المشروع اليساري – الخارجي ( الضخم).

وأعتقد أنه الأنسب لقيادة هذه المرحلة الانتقالية وربما يكون الأصلح لفترة او فترات قادمة بعدها ( حتى يبرأ جرح السودان)، إذا وجد شريكا سياسيا مدنيا ، مناسبا ومتوافقا ، ليتكاملا ويقودا البلاد ويخرجانها بفضل الله من الظلمات الى النور.

أعتقد أيضا أن معرفة حجم وأبعاد المعترك السياسي والايديولوجي، وفسيفساء الهوية السودانية والثقافة الخاصة، مع قراءة الأسباب والمبررات الواهية التي مهّدت للإتيان (بالوسطاء من الخارج) وبمشروعهم ، ومعرفة التعامل الإيجابي مع كل ذلك يحتاج لذكاء قيادي، سياسي ووطني ولحنكة دبلوماسية ، معيارية، تعرف كيف توازن بين مصالح الخارج ، ومضاره ، وبين قوته وسطوته ، ومع معرفة واقعنا الخالي الضعيف في هذه المرحلة.

ومعرفة سايكلوجي الحوار الخارجي والداخلي ، وحجم تحالف اللاعبين هنا وهناك ، ومعرفة التراكمات التاريخية ، وأدب السياسة المرحلي الآني ، وعقابيله المستقلبية، ومعرفة مقدرة الوطن العسكرية والأقتصادية ، ومعرفة الحالة العالمية العامة ، وما يحدث فيها من تحولات عظيمة وسريعة في العالم ، ومعرفة أضرار ومنافع أي خطوة او أي تصرف من القيادة في هذه المرحلة ، وقراءة الحالة المعنوية العامة ، الرسمية والشعبية والحزبية بتشكيلتها وتنوعها وإختلافها، كل هذا يحتم وجود قائد للسودان في هذه المرحلة ، يتحلي بالذكاء السياسي والوطني والإجتماعي والإداري ويفترض فيه توافر الحكمة والقوة (الإيجابية) وقت القوة، واللين الإيجابي وقت اللين ، وهذه الصفات تتوافر عند الرجل بنسبة عالية جدا ومناسبة للمرحلة من عمر السودان.

عملية إمتصاص المطالب العالية جدا بل الخيالية وإمتصاص (الصدمة) وأسباب الصدمة السياسية التي حدثت للسودان منذ ٢٠١٩م ومعرفة شتات المكونات التي قامت بها ، واختلافها وتنوعها ، ومعرفة أبعاد (المعركة) السياسية ؛ والأيديولوجية ، والإعلامية ، والتوقي للفوضى (الخلاقة) كنتاج طبيعي لهذا المعترك ، وتأجيل الحرب الفاصلة لهذا المعترك ، وخفض وتيرة السيولة الأمنية ، وشيطنة الشارع والوجدان السودان ، ومط الجدول الزمني لأخذ السودان على حين غرة ، وكشف تجيير إدارة السودان ومصيره لصالح جهات يرمز لها البرهان ، رمزا ، أعتقد أن كل هذا يدل على تخسير إلهي لهذا الرجل واختيار رباني ، يريد الله به ما يريد للسودان من خير ومن (تدريق للسودان) بفضل ربه.

نحن نحتاج لقائد يعرف متى يقول وماذا يقول وكيف يقول ولماذا يقول وما هي عواقب ما يقول ، ما هي الإيجابية والكسب مما يقول وما هي السلبية والخسارة في ذلك، ويبدو أن السيد البرهان رجل متمرس ومطئن في هذا الجانب.

أعتقد أن طرد فولكر هكذا وطرد أي جهة تأتي بظاهر الوساطة او أي هدف ايجابي للسودان ، أعتقد انه سيكون من الحماقة السياسية والانتحار السياسي بمكان ، بحيث لا تؤمن عقباه ، والعالم كله يتحرش بنا، وأعتقد أن التحلي بالروح الطويلة والمطاطية ، والإسفنجية التحمل في هذه المرحلة هي من أهم عوامل الحكمة التي تساعد في منجاة السودان بتدويب وامتصاص الروح الظالمة والطاغية ، والمبطنة التي أتى بها هؤلاء لتنفيذ مشروعهم.

والله أعلم

تعليقات
Loading...