د. ياسر محجوب الحسين يكتب :النووي.. خيار الدبلوماسية الناعمة. 

الخرطوم :مرايا برس

أمواج ناعمة.. د. ياسر محجوب الحسين.. 

تتجه أعين العالم باشفاق نحو فيينا عاصمة النمسا أملا في إخراج الاتفاق النووي الإيراني من غرفة الإنعاش بعد أن دخلها منذ نحو 3 سنوات حين تخلت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عنه في مايو 2018. طهران اعتبرت المفاوضات “تسير بجدية” ورفع العقوبات عنها “أولوية أساسية”. أما واشنطن فليست متفائلة جدا بتسوية الملف، لكنها تفسح للأمل بابا وتقول إن الوقت لم “يفت بعد”. الجديد أن ترامب الذي اعتبر الاتفاق متساهلا، كان يريد فرض المزيد من التضييق على تنامي قدرات إيران العسكرية من منطلقات شعبوية ويمينية متطرفة وألا تقتصر القيود على البرنامج النووي فحسب بل كان يريد أن يشمل ذلك الأسلحة التقليدية الأخرى مثل الصواريخ الباليستية. بيد أن الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي أُنجز الاتفاق في عهده استخدم الدبلوماسية الناعمة، وقدم العديد من التنازلات، عوضا عن استخدام الدبلوماسية الخشنة المتمثلة في فرض المزيد من العقوبات القاسية على إيران. اليوم إدارة الرئيس الحالي جو بايدن تحتاج إلى ضمان لتحديد القدرة النووية الإيرانية من أجل التفرغ بشكل أكبر لمواجهة الصين. في حين أن إيران تحتاج لانجاح المفاوضات لحل مشاكلها الاقتصادية والمعيشية من خلال رفع العقوبات عن كاهلها المثقل.

وليست المشكلة في حصول طهران على سلاح نووي لكن المشكلة في احتفاظ البعض بالسلاح النووي ومنع الآخرين من امتلاكه، ولولا احتفاظهم بالسلاح النووي لما سعى الآخرون لامتلاكه. السلاح النووي‏، سلاح تدمير فتاك يعتمد في قوته التدميرية على عملية الانشطار النووي أو الاندماج النووي؛ ونتيجة لهذه العملية تكون قوة انفجار قنبلة نووية صغيرة أكبر بكثير من قوة انفجار أضخم القنابل التقليدية، فبإمكان قنبلة نووية واحدة تدمير أو إلحاق أضرار فادحة بمدينة بكاملها. لذا تعتبر الأسلحة النووية أسلحة دمار شامل ويخضع تصنيعها واستعمالها من الناحية النظرية لضوابط دولية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. لكن إسرائيل التي تمتلك ترسانة نووية ضخمة لا تلتزم بتلك الضوابط بل بدت من أكبر المطالبين باخضاع البرنامج النووي الايراني لتلك الضوابط. صفقة الاتفاق النووي الأصلية أبرمت بسبب وجود مخاوف حقيقية في الغرب من أن نية إيران غير المعلنة، هي أن تتوصل في نهاية المطاف إلى القدرة على تطوير أسلحة نووية، وتصبح لديها المعرفة التقنية والأدوات اللازمة للتحرك بسرعة نحو صناعة سلاح نووي في الوقت الذي تختاره.

لعل الموقف الأكثر درامية بشأن الاتفاق النووي هو الموقف الإسرائيلي، فإسرائيل هي الغائب الحاضر والأعلى صراخا والأكثر جرأة. فقد طالب رئيس الوزراء الاسرائيلي الولايات المتحدة بوقف فوري للمحادثات مع إيران خلال مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية. وطالب باتخاذ خطوات صارمة من قبل الدول العظمى. هستيرية إسرائيل ناجمة عن اعتقادها بأن برنامج إيران النووي يشكل تهديدا وجوديا لها. وفي حال عدم الاستجابة لطلباتها تهدد بانها “ستحتفظ بحقها في حرية التصرف” وهو التلويح بعمل عسكري. وترى إسرائيل أن الاتفاق يبقي على إيران محتفظة بمنشآتها النووية، ويسمح لها بتطوير قدراتها النووية التي لم تتعرض للتفكيك، كما أن القيود على برنامجها النووي مؤقتة وقد لا تتجاوز عقدا من الزمان.

في مقابل ذلك تقول طهران نفسها مُهللة أن أصل الاتفاق المبرم في 2015 يسمح لها باستمرار عمل المنشآت النووية ولن يتوقف أي منها أو يجري التخلص منها، مع المضي قدما في تخصيب اليورانيوم وتطوير أجهزة الطرد المركزي بل أن حظر السلاح سيرفع عن إيران وستحل محله قيود جديدة، بحيث سيكون بإمكان طهران أن تستورد وتصدر الأسلحة على أساس أن تقدر كل حالة بقدرها. فضلا عن ان العقوبات الاقتصادية والمالية الأوروبية والأمريكية على إيران سترفع عند بدء تنفيذ الاتفاق بما في ذلك إلغاء تجميد المليارات من الأرصدة الإيرانية بالخارج.

وما يقلق إسرائيل حقا أن إيران قد تقوّت بهذا الاتفاق إقليميا، وأضفى شرعية على مكانة إيران كدولة على حافة قدرات نووية بل انه لا يدع فرصة لأي مبرر على شن هجوم عسكري على إيران من جانب إسرائيل. وما ساعد على تقوية موقف طهران أنها ظلت تحترم شروط الاتفاق إلى حد كبير، إلا أن واشنطن هي التي انسحبت من جانب واحد.

وفي خضم تدني مستوى الثقة بين الأطراف المتفاوضة يعبر الايرانيون عن حاجتهم إلى تأكيدات متينة في حال التوصل لاتفاق جديد تأسيسا على الاتفاق القديم، بعدم انسحاب واشنطن كما حدث في عهد السابق الرئيس ترامب، وأن يكون ملزما لكل الإدارات الأمريكية المستقبلية. وهذا أهم شروطهم للعودة إلى الاتفاق والامتثال لبنوده، لكن لا يبدو أن إدارة الرئيس بايدن قادرة على الالتزام بمثل هذا الشرط فهذا أمر ليس بيدها البتة. إلا أن بايدن يبدو حريصا على إبرام الاتفاق مع طهران بأي ثمن. وبالرغم من أن بعض الأطراف لا تستبعد العمل العسكري باعتباره خيارا مطروحا لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية. ومع حرص بايدن يمكن أن يكون هناك حل وسط على أقل تقدير مثل تخفيف بعض العقوبات مقابل تحديد سقف تخصيب اليورانيوم.

والسؤال إلى أي حد يمكن للحل الوسط المتوقع أن يقنع طهران التي تعمل على تحقيق 3 أهداف رئيسية في فيينا؛ في مقدمتها رفع العقوبات الأمريكية، والتحقق من نفاذ ذلك فورا، فضلا عن ضمان عدم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق من جديد؟.
[email protected]

تعليقات
Loading...