زهير الجزار يكتب : المتنبئ (شكّار) الملوك الذي مات دون ان يرتاد سقف طموحه السياسي ..

الخرطوم :مرايا برس

لم يسجل تاريخ الادب شاعر جعل العربية طوع بنانه الا ابو الطيب المتنبئ ، اذ لا ينافسه في هذا المقام الا زهير بن ابي سلمى في شعر الحكمة ..
هذا بإختلاف المدرسة وعنصر الزمان والمكان. 

ولكن المتنبئ لم يكتف بكونه شاعر فحسب، اذ كان يدفعه طموحه ان يصبح وزيرا في دولة بني حمدان التى كان احد محظيي البلاط فيها ..
فهرول في بلاط سيف الدولة الحمداني مستخدما طاقته الشعرية الكثيفة لتصعد به آفاق المجد ..

ولكن سيف الدولة كان بحاجة لشاعر يكون بمثابة منصة اعلامية اكثر من حاجته لوزير .. لا سيما ان ابو الطيب كان ابن سقاء يبيع الماء في حوارى الكوفة ..والملوك في كانت لهم معيارية في انتقاء رجال الحكم .. فمن كان ليس سليل بيت عريق في الزعامة والسؤدد لا يستعملونه في الحكم ظنا منهم انه ليس اهلا بأن يسود الناس…

ولقد تجلت ازمة المتنبئ النفسية كثيرا في شعره المحتشد بالفخر والمجد..
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرَّاها ويختصمُ….

وبعد ان يئس من سيف الدولة اخذ يفتخر امامه بنفسه منشدا قصيدته الشهيرة التي مطلعها: (الخيل والليل والبيداء تعرفني ) ..
وهذا ملا تقبله الملوك في مجالسها ،لانهم اعتادوا ان يُمدحوا لا ان يفتخر احد امامهم بنفسه ..

ثم ارتحل بعدها الى مصر املا ان يجد عند كافور الاخشيدي ما لم يجده في امارة بني حمدان ..
وكان كافور الاخشيدي عبدا خصئ اسودا، من اصول حبشية حكم مصر في الدولة الاخشيدية بعد وفاة سيده..

وهنالك مدح المتنبي كافور الاخشيدي على مضض واصفا اياه بالمسك :
ابا كل طيب لا ابا المسك وحده ..وكل سحاب لا اخص الغواديا..

و عندما لم يجد مبتغاه عند كافور الاخشيدي اخذ يتأسف لحال مصر التي تربع على عرشها عبدا اسودا فإذا به يهجو كافورا :
صــار الخصي امام الآبقين بها ..فالحر مستعبد والعبد معبود ..
الى ان يصل الى البيت الشهير :
لا تشترى العبد إلا والعصا مـعــه ..إِن العبيد لانجاس مناكيد..

وعلى الرغم من انه ظل يكتب الحكمة في شعره الا ان المتنبئ لم يستفد يوما من هذه الحكمة ليدفع حياته ثمنا لغروره.. اذ تربص به ( فاتك الاسدى ) في طريق عودته من مصر الى حلب .. وكان المتنبئ قد هجأ يوما اخت فاتك ووصفها بأقذع الاوصاف..

قيل عندما راى المتنبئ فاتك الاسدي قادما اليه شاهرا سيفه اراد الفرار ، الا ان غلامه قال له الي اين انت ذاهب يا سيدي ؟ الست انت القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني…)؟..
فردّ عليه المتنبي:
(قتلتني قتلك الله) فرجع وقاتل بشجاعة حتى قُتل ..

تعليقات
Loading...