عادل عسوم يكتب :والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن.

الخرطوم :مرايا برس

لأن طربت -ولم أزل -لراحلنا مصطفى سيدأحمد وهو يهتف في أذن الزمن:
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
ايدي في أيدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة
ولا في ايدا جواز سفر
فان طربي قد عَظُم عندما رأيت راكوبة من تلك الرواكيب تتسع -بالفعل- وتصبح أكبر من مدن!
ولا غرو أن البيوت وان اتسعت وسمقت طوابقها قد تفوقها راكوبة أو قطية موئلا ومبعثا للسعادة والمحبة والالفة والتحنان!…
إنها صبية، شبّت في بيت شقيقتي التي يدير زوجها مركزا دينيا في أمبدة،
جاء بها أهلها إلى بيت يكنون لأهله من الحب الكثير، فنشأت في كنفهم فألحقوها -مع أبنائهم- بالمدرسة إلى ان تخرجت معلمة في كلية التربية بإحدى جامعات العاصمة…
وما لبث أن خطبها قريب لها يقاسم أهلها السكنى في أرض فلاة تتوسط الطريق بين العاصمة والولاية الشمالية…
أصرت الصبية بأن نشاركها فرحها بُعيد عيد الفطر، فانطلقتُ في معية اسرة شقيقتي مجاملا، ووصلنا مضاربهم فإذا بها رواكيب وبعض قطاطي يتبدّى شظف العيش والقتر على ظاهرها… ولكن!…
عندما ولجتُ احدى الرواكيب، إذا بي أغني مع أبواللمين:
سالت مشاعر الناس جداول، أما الريح فان وشوشتها في بابها المفتوح ضلفتين جِبِلَّة فماكانت تنم عن أسى على فَقْدٍ، بل ترحيب وابتهاج بقدوم لأحباب!…
نظرتُ يُمنةً فإذا بالعريس (حسن) يمسك بيد عروسه يممان صوب راكوبة أخرى نُصِبَتْ لهما بالجوار …
العينانُ منهما تبوحان للكون حُبّ الدنيا كُلُّو…
مشى حسن عَلَى الرمل حافِي حالِق والضريرةُ تَضِجُّ من فوق رأسِهِ وتهتف بأن يادنيا جاكي عريس، ومشت في ركابه عروسه حافية يسيل من شعرها الذهب ويهتف، بأن ياأرض احفظي ماعليك…
فنظرت إلى الدّرْبِ الذي سارا عليه فإذا به من السَّعةِ بحيث يسع كل السوح والفضاءات، فما كان مِنِّي الاّ أن غنيت بلسانهما:
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
ايدي في ايدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة
ولا في أيدا جواز سفر!.
وصلناهم ظهرا، والظهر في صحرائنا لعوالم لا يقو على تحمّلها الاّ من هيَّأهُ الله لها، وتقدمنا زوج شقيقتي فانْكَبَّ الناسُ على يمينه مقبّلين وهو ينهاهم وينأى بها رابِتَاً على الأكتاف ومحييا ومقالد…
وتقدم المستقبلين والدُ العروس وبيده مدية آمرا جمعنا بأن نقف حيث نحن، ثم رفع يده مناديا، فإذا بإبنه يجُرُّ من خلفه كبشا اقرنا ويتبعه صبيّان آخران بكبشين رديفين…
شرع الأب في ذبح الخراف واحدا تلو الآخر، ثم تقدم الى زوج شقيقتي قائلا:
-يَلاّ ياشيخنا، اتعدُّوا الضبايح دي وباركوها…
فتعدينا الذبائح وولجنا إلى الداخل، فأخذوا الرجال منا إلى داخل الراكوبة لنجد انفسنا في ساحة فسييييحة وإذا بالولدان يرشّون رمالها بالماء، وعلى الجوانب (عناقريب) قد رصّت وعليها مخدات نظيفات وأنيقات…
وتقدم شقيق العروس إلى شقيقي -وقد بان لي بأنهما يعرفان بعضيهما -فدعانا للجلوس والاستلقاء على تلك العناقريب ال(هبابية)…
جلست على احداها، وإذا بي أفطن الي الحكمة من قول شقيقتي لي عندما تحركنا من الخرطوم:
-ياريتك ياعادل أخوي لو كان لبست ليك جلابية بدل لبستك دي!
ساعتها لم أدرك مراداتها ومآلات حديثها
لكنني مع الجلسة على العنقريب تبينت مرادها والمآلات…
وتمددت على عنقريبي فأتانا الصبية بمياه باااااردة!
وانتبه شقيقي إلى دهشتي فأشار بيده إلى سقاء ماء جلدي كبير موضوع في مدخل الراكوبة من جهة مهب الريح وقد بقي صبيّان يَرُشّان الماء عليه كُلّما جَفّ، فقلت مخاطبا شقيقي:
-هو بالله الموية البااااردة دي موية سعن؟!!
فردّ شقيقي باسما:
-دا اسمو (سقو) ياعادل اخوي ما سعن.
لا ادري، منذ أن وطأت قدماي تلك السوح والفضاءات، ظلت تتردد في خاطري كلمات الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء). ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: (فطرة اللَّـه التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق اللَّـه).
لعل الرابط هنا هو هذه الفطرة النقية البيضاء التي تجلل وجدان واهاب أولئك القوم!
فالكرم هنا صادق…
والصدق هنا له بريق…
إذ كم تُضْفِي المدائنُ من غَبَشٍ على دواخلنا ياأحباب!…
ذات البساطة التي في سمت معاشهم تجدها في متن حديثهم وابتساماتهم وقهقهاتهم، فإذا بالحياة من النقاء بمكان!…
خلدنا الى هَدْأة من بعد طعامٍ شهي، وأغفى الناس كلهم ونأى عَنِّي النوم، فانسللتُ من بين سقوات الماء لأجد نفسي بين يدي الصحراء الفسيييييحة…
ياااااه
لَكَأنَّ الأرض قد طليت بماء الذهب!…
وافْتَرَّت ثغورُها عن شجيرات من الحلفا وشئٍ من عُشب قليل، أدرت بصري في جنباتها فلم أجد سوى بعض جِمالٍ ترعي، وأرهفتُ سمعي فاذا بثغاءِ شياهٍ يأتي من البعيد…
يالهذه الصحراء والبوادي، كم هي حبيبة الى نفس نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قد أُرْضِعَ وحَبَى فيها، ومشى عليها، ولعب على أديمها…
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله علية وسلـم قال:
(ما بعث الله نبياً ألا رعى الغنم، فقال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) رواه البخاري.
وما فتئت الصحاري والبوادي ملجأ وملاذا للصالحين والعباد…
عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال رجل، أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: (مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله) قال: ثم من؟ قال (رجل معتزل فى شِعْبٍ من الشِّعاب يعبد ربه)!
ويقول العلامة بن خلدون فى مقدمته تحت عنوان؛ البدو أقدم من الحضر وسابق عليه:
(إن البدو هم المقتصرون على الضروري فى أحوالهم وعوائهم وأن الحضر هم المعتنون بحاجات الترف فى أحوالهم وعوائهم)
ثم يقول:
(فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة)!…
ملأتُ قبضةَ يدي من رمالِ الصحراء الصفراء ونثرتها في وجه الرياح، فتناثرت حبات الرمال بعييييدا الى جهة الجنوب…
هذه الرمال بلغة الكيمياء هي ثاني أوكسيد السيليكون (SIO2) وهي المادة الخام لصناعة الزجاج وكذلك خلايا الطاقة الشمسية فلعلها تصبح يوما كما البترول يتسابق إليها الناس، فلعل سوداننا يصبح يوما اكبر مصنِّعٍ للخلايا الشمسية إذ هي البديل المتوقع للبترول لما يسببه من تلوث ودمار للأرض مصداقا لقول الحق جل في علاه:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
فتذكرت مقولة لاستاذي الدكتور كرم الله الذي درست على يديه الكيمياء في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، حيث قال وهو يخاطبنا وفينا العديد من الزملاء من دول عربية عِدّة:
توجد في السودان أنقى أنواع الرمال لصناعة الزجاج البايركس، وكذلك خلايا الطاقة الشمسية، لا تشاركه دولة عربية في ذلك سوى موريتانيا!
فانبرى أحد الزملاء السعوديين وقال:
لدينا في السعودية صحراء الربع الخالي فكيف هي رمالها؟
أجاب الدكتور:
رمال الربع الخالي ذات بلورات دقيقة ومختلطة بالعديد من الأكاسيد الاخرى، أما رمال الصحراء الكبرى فهي ذات بلورات أكبر ونقيه!!
فإذا بي تنبري لي في خاطري قيزان الرمال الضخمة في شمالنا الحبيب، ترقد على الرمل فلا يتسخ لك ثوب ولا تشوبه شائبة!
وأذكر جيدا بأن نساء بعض القرى عندما يغسلن الملابس، يجففنا على سوح تلك القيزان بطرحها عليها فتجف دون ان تلتصق بها او تتسخ!
وتيامنتُ، فإذا بطريق (شريان الشمال) يَتَلوّى كثُعبانٍ أليف على أديم صحرائنا تلك، فتبسمتُ وقد نبا إلى خاطري وَصْفُ أحدَ زملاء الاغتراب من أبناء الرباطاب لطريق الشمال فقال وقد كان عائدا لتوِّهِ بُعيدَ قضائهِ لإجازتهِ السنوية في السودان:
-تعرف يا ود البركل، الحيكومة دي سوّتلكم شارع زلط أملااااااس مِتِل ضَهَرَ الكديسة ههة.
وجُلتُ ببصري من حولي فإذا بسيارتين ينعتونهما بالبَكاسي، تدلفان من انحناءة الطريق يعلوهما خلق كثير فإذا بهم أقرباء لأهل الدار قيل لي بأنهم من شمال كردفان،
وأهل الدار من قبيلة الهواوير، وهي قبيلة تساكن أهلي الشايقية بالشمالية وتتصل بجذورها إلى ولاية شمال كردفان…
لعمري إنهم قومٌ سمحي السَّمت والدواخل، فالإبتسامة تجدها أصيلة على محياهم طُرَّا برغم تأثيرِ حرارة شمس الشمال، وعصف الرياح السَّمُوم، وهجير رمال الصحراء!…
فعُدْتُ أدراجي مرحِّبا بالقادمين، ما أجمل عناقهم ياأحباب!
يَمُدُّ الرجلُ يده للآخر فتتماس الأصابع ثم يرفعان يديهما الى أعلى والكفان متماسان مرات ومرات، ويتخلل كل تماس واستعلاء لليدين سؤال عن حال ومآل:
وليداتك…
وعوينك…
حاجة كلتوم…
حاج صالح…
ولا يستثنى السلام حتى الغنيمات والجِمال في ثنايا السؤال عن الحال، ثم يعقب ذلك عناق حار وربت على الظهور والأكتاف، أما الشيوخ منهم فيعمد الشباب الى تقبيلهم على رؤسهم تعظيما واجلالا وكلما يأتي دوري لا أنل من القادم منهم سوى مصافحة سريعة لكنها مشروعة باعتذار يغلفه حياء، علمت لاحقا بأنه نأيٌ منهم عن ايساخهم لملابسي بغبار الطريق الذي يكسوهم نتاج الرحلة الطويلة وقد رأوني الأوحد الذي يتزيا بببنطال وقميص…
وعاد بعض الفتية منهم فأنزلوا من (بوكس) ثالث يتبعم عجلين سمينين لهما خوار، وشرع أطولهم شاربا في شحذ مدية أخرجها من جفير يتدلى من عضده وبدأ في ذبح العجلين…
ثم انطلقوا جميعا الى زوج شقيقتي منادين كي يتعدى ويبارك لهم الذبائح…
وآل العجلان الى أكوام من لحم تحت أيدي الرجال، ونقل الشباب اللحم الى خيمة تؤمها النسوة ليؤل بعد سويعات إلى ثريد وطعام شهي…
مالت الشمس قليلا، فإذا بي أسمع رغاء كثيفا لِجِمالٍ بالجوار،، فخرجنا فإذا بالشباب يمتطون ظهور الجمال وقد تهيأوا للسباق، ولم تمض دقائق حتى خرجت النساء وبين ايديهن طبل يضربن عليه فيرجحنّ، وتراص الشباب صفّا فإذا لحناجرهم كرير وإذا لصدورهم رغاء كرغاء الجِمال:
همّم …همّم…همّم
همّم…همّم…همّممم
ثم اتبعوا ذلك بأغنية الليمونة التي مافتئت (حرم النور) تشدوا بها، وافتتحت أم العروس الرقص وبجانبها رصيفات لها في عمرها يحاكين بصدورهن اسراب الحمام، أتى دور الصبايا فرقصن رقصا طروبا وكان كان من نصيبي شبَّالُ لم أزل أتحسس اثر شعر صاحبته الطويل على ظهري إلى يومي هذا…
وتلفحت الشمس بقرميصها مئذنة بالغروب عدنا أدراجنا الى الرواكيب، فإذا بالصبية طوافين علينا ب(كفتيرات) شاي المغرب، وبينهم من يحمل(جكوكا) ملأى بحليب الابل لمن اراد…
وجاءني جعفر…
انه يافع يدرس في جامعة السودان، وإذا بي اتلمس في محياه سيماء شاب يتوقد ذكاء واريحية، وقال لي وهو يمد لي يدا من وداد:
-فرصة سعيدة ياباشمهندس عادل عسوم، بصراحة قريت ليك كتير في عدد من الصحف والمنتديات ومعجب كتير بي بوست كتبتو انت عن الأرتقاء بالوجدان!…
كم فاجأني حديثه، فشكرته على ذلك، وإذا به ييمم الى طرف الراكوبة ليأتيني بلابتوب ويريني ذات البوست الذي ذكر في منتدى التوثيق الشامل!
يالهذه التقنية التي لم تدع -حتى-صحارينا تشعل فيها قناديل العلم والمعرفة والتنوير!
وشرع جعفر يحدثني عن قبيلته الهواوير حتى اقبل المساء فخلدنا الى نومة هانئة بعد أن ابدلت ملابسي بعراقي وسروال لوالد العروس نظيفات ومعطرات…
وياااا لليل الصحراء!
وإذا بي تنسرب إلى خاطري خاطرة اديبنا الجميل معاوية محمد نور:
الوقت ليل، والكون ساج نائم، فما تسمع نأمة ولا تري حركة، ولا تحس سوي الركود والإغفاء والسكون الشامل، والظلام الصافي، والهدأة الناعسة، ولقد تحس الحين بعد الحين حركة ضئيلة، او تسمع صوتاً خافتاً فيزداد إحساسك بذلك الصمت ويشتد تقديرك لذلك السكون ويأخذك ذلك السحر، وتستولي علي نفسك تلك الهدأة ويغمرك ذلك الصفاء، فتروح في عالم الأحلام والذكريات وتدلف الي عوالم الفكر والعواطف المشجيات.
وقد خيل الي أن الحياة قد وقفت فجأة، وأن الوجود قد أخلد الي نومة هادئة ويعديني ذلك الشجو والسهوم فلا استطيع أنا الآخر حركة او قياماً
يااااه
لكأنّه معنا يصف حالنا!…
وانسرب الليل، وبان الخيط الأبيض من الأسود من الفجر،
فنهض ابن اختي يؤذن للفجر فتوضأنا من (اباريق) وجدناها ملأى ثم استوينا وأمّنا زوج شقيقتي بطلب من والد العروس، وأتى الصبية بشاي الصباح وبعض حليب للنوق، وما أن وضعنا أكواب الشاي الاّ وبانت بالجوار أعناق النوق عليها الفرسان
وقد جاؤا للعريس بجمل يجمّله خِصْرٌ بديع،
قال لي جعفر:
-الجمل دا جمل سباق صاحبو عمنا علي أبوعثمان الراكب فوق الجمل التالت داااك الفي الجهة اليمين، وكم تملكتني الدهشة عندما أبان لي جعفر بأن أباه قد باع رصيفا لجمل السباق هذا إلى أحد شيوخ الإمارات بثلاثمائة ألف درهم قبل أعوام!…
وقفز العريس -برشاقة-على ظهر الجمل، واصطف الشباب دون ميسٍ خطه أبو العروس بعصاه، و(قَجّت) زغاريد النسوة من أطراف الرواكيب ثم شرعت انداهن صوتا تغني للعرسان…
ما أجمل هذا السودان يااحباب، هؤلاء نسوة في اقاصي صحرائنا العزيزة هذه قد جعلن تراث كل القبائل تراثا لهم!
أحسست ساعتها بأنني اقف في مقرن النيلين
وأنظر الى النيل الآتي من الجنوب ميمما الى الشمال وهو -وان لم يتشرف بالمرور على ديار أهلنا هؤلاء- الاّ أن أشواقه قد طالتهم وغشيتهم في رفقة الأنسام، اشواقٌ ترجمتها اغاني السيرة التي جادت بها قريحة من سكنوا شطآنه وهاهي تكتنف وتسع أهلنا هؤلاء فتتبدَّى في ثنايا رقصهم وغنائهم…
وانطلق العريس كالهلال والفرسان في ركابه كالأنجم الزواهر، واشعة شمس الصباح تتلألأ منعكسة من قرمصيص يزين جسده الفتيّ ، وتتداخل اشعتها مع بريق الأهلة التي تتزاحم على جبينه، وحال الغبار دون رؤيتنا للجمال، أو لعل الفرسان قد بعدوا عنا كثيرا
ثم تغير الإيقاع الى التمتم، يالجمال هذا الايقاع يااحباب!…
ولاح الفرسان يتقدمهم العريس، واذا بأخوان العريس ينطلقون الى خيمة العريس ليحملوا العروس على (بنبر) ليخطفها منهم العريس!
تم ذلك بسرعة عجيبة
ثم انطلق العريس تشيعه زغاريد النسوة الى أن اختفى عن الانظار
فالتفتُّ فإذا بجعفر يبتسم لي ويقول:
دي عاداتنا يااستاذ.
ومع اختفاء ركب العريس بانت في من الجانب الايمن سحابة من غبار…
فأمعنت النظر فإذا بفرسان على ظهور الجياد!
وهنا نبا الى خاطري وصف اديبنا حسن نجيلة عندما وصف ذات المشهد في كتابه البديع ذكرياتي في دار البادية…
ووصل ركب الفرسان، فاذا بكل فارس يردف من خلفه زوجه وقد رأيت احداهن وهي حامل!!
سالت جعفر فأخبرني بأنها عادة لديهم بأن يأتي كل من تزوج حديثا بعروسه بهذه الطريقة ليباركوا للعرسان، وابان لي بأنهم سيبقون بالجوار الى أن يعلمهم شخص يبعث اليهم بأن العريس قد غادر المكان بعد أن يردف معه عروسه!
وبدأت اسال نفسي:
كل هذه التفاصيل الا تدل عن ماض تليد لهذه القبيلة؟!
لعمري إنها حقا تنبي بالكثير المثير في حياة هذه القبيلة استصحابا لماضٍ لهم يضرب بجذوره في أعماق التأريخ، فكم تتبين فيهم سيماء الفرسنة والفراسة!…
وهم كذلك من الذكاء بمكان، فقد حدثني صديقي الدكتور عبدالمنعم حسين قبيل هجرته للعمل بإحدى جامعات الخليج بأنهم وجدوا أطفال أهلنا الهواوير يتمتعون بنسبة ذكاء عالية…
أما سيماء الجَمالِ والوسامة فيهم فقد حكى عن ذلك أحمد وعروسه:
إذ العينان منهما تبوحان للكون حُبّ الدنيا كلو…
وذاك حين مشى حسن على الرمل حافي حالق والضريرة تضج من فوق رأسه وتهتف بأن يادنيا جاكي عريس، ومشت عروسه في ركابه حافية يسيل من شعرها الذهب ويهتف بأن ياأرض احفظي ماعليكي…
فنظرت الى الدرب الذي سارا عليه، فاذا به من السعة بحيث يسع كل السوح والفضاءات…
فما كان مِنّي الاّ غنيت بلسانهما:
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
إيدي في ايدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة
ولا في أيدا جواز سفر.
[email protected]

تعليقات
Loading...