في أدب الرسائل.. أميمة عبدالله تكتب: الرسالة الثانية.. في الثاني من أغسطس.

الخرطوم :مرايا برس

عزيزي يوسف…
سلامي يصلك أينما كنت
اليوم هو الثاني من أغسطس ذات العام
ربما يكون هذا التاريخ غير صحيحا لكنه تاريخ تسلسل الخطابات حتى يكون بمقدورك جمعها
وإن شئت الاحتفاظ بها
احيانا يا يوسف تستيقظ من النوم لا تدري هل انت حزينٌ أم سعيد ، تحس أن مشاعرك باهتة أو رمادية هي على الأرجح
والرمادية ثقيلة لانها تجذب الذكريات السيئة ، تأتي على بالك
المواقف المخذية و الناس الخطأ والصدمات المتتالية والخذلان و الفراق ووحدتك
ولحظات الفرح القصيرة و رحيل الأحباب
والدنيا التي نعيش كبدّها
لا ، لا تظن أنني سوداوية أكثر مما يجب ، لست كذلك ، تأكد أنه في يوم ما ذات خريف وغيوم سأكتب لك عن الفرح، فالاوقات لم تكن كلها للأحزان
كانت هناك أوقات مرح و أصدقاء و زيارة الكثير من الأمكنة ومعرفة العديد من الغرباء
لقد صادفت عابرين كثر ، بعضهم تعلق بي وبعضهم حزنت لفراقهم
وبعضهم تستحي من شكواك أمامهم ، لا يملكون من الدنيا غير الرضى و الحمد، كأنهم لا يعيشون فقرا ، لقد صادفت أناساً لا يملكون يا يوسف غير متاع على ظهر ناقة أو حمار يتنقلون به ويشدون أينما وجدوا ماءاً على عيدان غليظة مشمعات تقيهم الحر والمطر
وأطفالهم مرحين ، هكذا تمر الأيام عندهم لا تعرف نسائهم شيئا عن أخبار السياسة و لا من يحكم في العاصمة ولا ماذا يدور من مكايدات وتحالفات و مؤتمرات واحزاب وفض تحالف و المنافسة الغير شريفة حول الوظائف و التجمعات النسائية ولا اتفاقية سيداو ولا شئ مطلقا ، يعرفون الطبيعة و التنقل والزواج المبكر والإنجاب ومتسامحات نسائهم مع تعدد الزوجات ، اطعموني مع حفاوة الترحاب والذهول من مظهري رز مخلوط باللبن والعسل.
للأسفار متعتها و للمحطات بهجة مختلفة و للعابرين حكايات
أن تنام في غرفة لليلة واحدة فقط و أن تتغطى بغطاء سبقك فيه مئات الناس و أن تستخدم حمام تشك أنه قد يصمد ، ربما ينهار بك ما أن تطأ اقدامك الحافة
جميل أن تسافر تحت النجوم والسماء اللامعة أو تحت المطر ،
أن يحاصرك مطر ويمنعك الروية عبر نوافذ السيارة
أن تخاف لأن الليل حالك ، الخوف شعور في غاية الإرهاق ومع ذلك انا احب الأسفار كثيرا
والطرقات و الدروب الطويلة، وتنفس الصباح في الفضاء المفتوح ممتع
أن تأكل على أواني غاية في السواد من لهب الحطب كما كنا قديما وأن يطبخ لك شخصا لا يعرف شيئا عن قواعد الصحة أو النظافة ومع ذلك تأكل بسعادة
لكنك مع ذلك تستيقظ ذات صباح وأنت ممتلئ برمادية المشاعر ، ذلك ما احسه وانا أكتب إليك الآن
أشعر أن كل شئ غير مهم و أن كل ما حولي غير حقيقي أو أنه مسرح عبث ليس أكثر
إن تناولت كوب قهوة الصباح أو لم أتناولها لا فرق
افكر إلى من يمكن أن أذهب، أجتهد في التفكير ، اكتشف أنه لا أحد يمكنني الذهاب إليه
وأنني على الدوام كنت وحيدة
متعب أن تكتشف انك كنت
قويا
و مسامحا ومتجاوزا
إن القوة إن لم تتجدد تُضعف صاحبها مع المواقف و مرور الأيام
وأن المسامحة تأخذ من روحك قضمة مع كل شخص تسامحه
أن الصلابة متعبة والصمود مرهق ، أحيانا نبكي ليس ضعفاً بل نبكي من تلك القسوة التي صرنا إليها وانه لم تعد تعنينا مصائب غيرنا
لقد صادفت في حياتي رجالا هزمتهم في آواخر عمرهم القسوة التي عاشوها في شبابهم
و تحول جفاء شبابهم إلى دموع في كبرهم ،أصبحوا حنيني القلب رقيقي العاطفة
حال الدنيا و تقلباتها ، لذلك الله تعالى شبه الدنيا بالماء لأن كلاهما لا يستقر على وضع
ولأن الماء يذهب ولا يبقى كذلك الدنيا فهي إلى زوال و أن كثيرها مضر كما فيضان الماء وأن قليلها نافع
الأحوال من حولنا تتغير ، المناخ ونزول الأمطار ودرجات الحرارة ، علاقات الناس ببعضها ، الأرحام والأخوة و أهل الحي ، مراكز القوة تتبدل ، المبادئ والقيم والعدالة والسلام أصبح كل ذلك متارجحا ، ضعفت النفوس وانتصرت رغبة امتلاك المال وكثرت الوجوه وتلونت و بات للباطل ألف وجه
أصبح الناس يسمون الأشياء بغير أسمائها الحقيقة، فالرشوة ما عاد اسمها رشوة و لا السرقة و لا الخيانة، لقد تم اختيار أسماء مرادفة أخرى لا تربك الضمير و يكون وقعها على الأذن مقبولا ، حتى لا تلومك نفسك ساعة خلوها. 
كل شئ يتغير لكن ليس إلى الأفضل
لذلك إسمها دنيا يا يوسف..

تعليقات
Loading...