في أدب الرسائل.. أميمة عبدالله تكتب :في الرابع من أغسطس.

الخرطوم :مرايا برس

هل يا ترى وقعت الخطابات السابقة عندك أم ليس بعد ؟
لا مشكلة ، طالما أنني اكتبها لك بالتسلسل
ربما كنت على سفر ولم تتمكن من المتابعة.
ليت سفرك كله يكون بالقطار ، انا لا أحب الطائرات ، مخيفة عند القيام والهبوط ، استغرب كيف يحتمل من يسافرون بها كثيرا رعبها ذاك ؟ بعض الناس يا يوسف يسافرون بها مرتين أو ثلاثة كل شهر
الناس أحوال
عموما ها أنا اكتب
هناك زحمة رهيبة في هذا الفضاء
الكثير جدا من الكلام بأنواعه كلها والغناء و المديح والإنشاد و مقاطع الفيديو والأخبار والإتهامات وحتى الفضائح إن شئت معرفتها ،
والخوض دون مسؤولية في أعراض الآخرين
والشتائم أيضا
والكثير من شئون السياسة يناقش هنا ، بل وتتأثر به قرارات الحكومة
ويهتم به الحكام ، يريدون أن يعرفوا كيف تتحدث عنهم هذه المواقع ، وأكثر ربما أحيانا ينحدرون ليكتبوا كما أفعال عامة الناس ، للمناكفة والمطاعنة والملاسنة. 
ألديهم الوقت !؟
اتوقع آلا تعرف معنى مطاعنة وملاسنة حقا هي عبارات مضحكة لكننا هنا نتعامل بها
ويفعلونها
كيف يفعلون ذلك وهم على عرش بلد مشبع بالأزمات و الفروقات الطبقية ! ؟
، كيف يكون لديهم وقت لمارسة الحياة الطبيعية مثلنا !!
لا يمكن ؟
هل تتصور يا يوسف ان بعضهم يشتم بعضهم و بالرسائل الصوتية أيضا !!
هل تتصور أن الخلافات الخاصة خرجت للعلن
وأنها أصبحت في متناول الجميع
لقد ارتفع الحياء عنا رويدا رويدا وإنكشفت أنانا الدنيا ومازال يواصل الصعود .
فوضى علاقات عارمة بسبب هذه المواقع ، اتسعت دائرة الأصدقاء وأصبحت بالألف
أعتقد أن
عدم اشتراك الحواس كلها ساعد على ذلك ، فالكذب سهل جدا ومتاح طالما أن الكتابة تتم دون العيون
لأن العيون هي مرآة النفس
أنا أكتب، لا أحد يراني ولا أحد يستطيع التنبوء عما يجول في نفسي .ويمكن لأي شخص أن يكتب أي كلام وينشره دون أن يُعرف
صار قبيح الكلام و فاحش القول يُكتب دون تردد ، ما عليك الا ان تضغط على الأحرف التي تكوّن الكلمة لتخرج ويقرأها آلاف الناس
هكذا اعتادت عيون القراء على بذئ الكلام وصار قوله والنطق به فيما بعد أسهل
متاهة مقلقة ، و المقلق أكثر انه يمكن للكل فعل أي شئ
هنا في هذا الفضاء الاسفيري لا ضابط و لا وازع إلا ضميرك ، هنا الخبيث والطيب ، هنا نافخ الكير وحامل المسك جمباً إلى جمب
لذلك ما أن انتهي من كتابتي إليك أخرج فورا
زحمة الكلام هذه لا تطاق
أين الحقيقة يا ترى ؟
حقيقتنا ، هل هي التي نكتبها أم التي نعيشها على الواقع ؟
صعب ان تقبض عليها و على المصداقية .
هل أنت مثلي يا ترى ؟ أم أن هذه المواقع تأخذ منك كل وقتك. 
كما أنها بالتأكيد لها فوائد كبيرة ، منها أنني الآن أكتب لحضرتك. 
وهل أجمل من ذلك؟!. 
وأن العالم اصبح كله أمامك في شاشة ، والخيار لنا ، ماذا نقرأ وأي المواقع افيد.
لقد فارقتنا منذ سنين طويلة ولم تعد لأي سبب من الأسباب، لا فرح إعادك ولا موت والديك
هل الإبتعاد لسنين طويلة متواصلة يعلّم الجفاء والقسوة ؟
لا أدري فأنا جذوري هنا مغروزة تماما
من المحظوظ يا ترى؟.
من توثقت جذوره في مكان واحد ، أم من اشترى تذكرة سفر بسنين عمره وسافر ؟
هذا العام تأخر المطر وفي بعض المناطق جاء شحيحا
مع أن نعمة الترزية قالت لو صادف الخريف عيد أضحية سينزل المطر غزيرا
سألتها ؟ ولما هذا الإعتقاد.
قالت الأضحية قربان لله وبعض عباده سيقبل الله منهم وبفضلهم سينزل المطر
نعمة الترزية غير انها تخيط لي ملابسي منذ سنين فهي صديقتي ، أزورها كثيرا
امرأة جميلة ، شعرها منسدلاً حتى منتصف ظهرها وشديد السواد رغم أنها تجاوزت الأربعين ، ترتدي برقعا عند الخروج ولا تصافح الرجال ولها صوت حنون وتحافظ على صلاتها في وقتها ولا تخوض في أخبار سكان الحي
هذه العادة تحتاج منا عزيمة كبيرة وإرادة
لأن الناس لابد وأن تتونس في سيرة بعضها و تتذوق طعم لحم بعضها
احيانا أتحدث في حكايات الآخرين لكنني على أي حال لا أفضلها ، اجد نفسي هكذا .
إلى الآن نحن صديقات
جميل أن يكون لديك صديق حقيقي وليس صديق عمل أو صديق مال
الأصدقاء الحقيقون يجعلون لحظاتنا معهم رائعة .
لابد أن يكون لديك شخصا تثق به لابد من ذلك
كما أنه لابد أن يكون لديك مكان تحبه وتشتاق إليه
حقا نحن بحاجة إلى تفعيل خاصية المشاعر في القلب و إلى اختبار الشوق والحزن والفرح
وتذوق الفشل والنجاح ومراجعة خطواتنا السابقة وصناعة أحداث تخصنا
نحن بحاجة إلى الشجاعة في اتخاذ قراراتنا
بحاجة إلى أنفسنا إلى قوتنا الداخلية و الخير الذي فينا
نحن بحاجة إلى معرفة تجارب الآخرين في الحياة لكي نعيش الحياة
نحن بحاجة أيضا إلى إحساس الحب
لابد أن تحب أحدهم صدقني ذلك جميل جدا و جميل ان تشعر بحب الآخر
لا أحد يريد أن يكون قلبه كالأرض البور ، جافة وصفراء من العطش، قحط من الحب
القلب والأرض كلاهما يزهر ويخضّر بالعطاء والمطر
قل ليّ يا يوسف إن كنت على خطأ لكنني أحب الحياة والأمل

تعليقات
Loading...