محمد حامد جمعة يكتب :تقلية!!.

الخرطوم :مرايا برس

هكذا ينادونه . وهو يخرج متمايلا من راكوبة (الباكمبا) بالسوق الذي يتحول بعد العاشرة صباحا الى حفل من الضجيج والغبار والمشاجرات العابرة . كنت في دكان (الزين) صديقي الذي هجر باكرا الوظيفة و(دقش التجارة) حيث يبيع البصل . اكرمه الله برزق حلال تنامى فخلع الجلباب والبنطال وإلتزم مركوب فاشري وجلباب عريض مع جسده المربوع وسمرة الجوامعة الباذخة يظن الرائي اليه انه يلمح تلك الظلال على ترد الرهد . الرهد اب دكنة مسكين ما سكنا . كنت اعود الرجل وأغشاه على فترات فهو وان تطبع بطبع السوق من جدال وحلف يمين ففيه بعص سمت مثقف نابه الإختيارات إذ اظن ان دكانه الوحيد الذي به شاشة وجهاز إستقبال . تطل عليه قناة السي إن إن . كما ان طاولته مع دفاتر الحساب تضم دواويبن لشعراء وكتب تفسير وروايات روسية قديمة وكل كتب الطيب صالح . أظنه تاثر بالطيب ! حتى في صوته وطريقة الحديث وولعه بالعابرين والسابلة فقد كان دكان الزين يستقبل شخصيات غريبة أحدهم تقلية هذا !
2
الذي قبل . كان يضلع في سيره . اقتحم الدكان دون تحية . رمق شاشة السي إن إن . المذيع الابيض والضيفة الشقراء تمخر في عباب أنجليزية فاخرة . تقلية الذي تدلى من جيبه منديل خشن . مبرقع بالتراب والزيت وقد كف جانب بنطاله من جهة ساقه اليسرى فيما قدميه قد تخرطت _ شكل خرائط _ بسبب بقع ماء،ورشاش رمل وقف يتفرس الشاشة ثم سالني بتقول شنو الزولة دي . فقلت سل الزين . لسبب ما لا اعرفه انخرط الفتى في ضحكة غريبة . مسح جانب انفه بكفه . انحنى ليدس منخار سفنجة انسل عن حفرة عليها وهو يقول منحنيا .صحبك دا وهمي ! تاجر بصل وعامل خواجة . ثم لسبب ما انتبهةنحوي فمد يده مصافحا انا تقلية . رددت التحية بأحسن منها فيما كان الزين يخرج من طرف الدكان رزمة نقد يساله (جلخت) العربية أجاب نعم . فنقده ولاحظت انه زاد . استلم الفتى ماله وخرج .
3
بدا الزين يحدثني . انه اول تجارته صادف هذا الفتى . كان ينام بالسوق . يذهل اول النهارات وكل العشيات . بين خمر وشم . تورم وجهه من اللكمات ومشاجرات الظلام . قال اول عملي كنت أتضايق منه . اطرده مرة وأزجره . ثم لسبب ما صرت اشفق عليه . فقربته امنحه مرة ما يسد رمقه . وانقده ومرات ادعوه للداخل . فيجلس . احادثه ويحادثني فوجدت نفسي _ يقول الزين _ انني بحضرة إنسان ! وسرد ان تقلية جاءه مرة وللمرة الاولى يطلب مالا . حدده ؛ قال منحته فعلى كل حال كان المال يسيرا . وحذرته ان يكون يطلبه لسوء فقال لا . وخرج ولم أهتم اين ذهب . يقول الزين مساء جاءني شيخ برير . شاب يقيم الصلاة بمسجد مجاور . ليخبرني ان تقلية جاء لمنزله وهو يحمل بعض المال وخشى برير ان خلفه قصة فاستفسر الفتى عن مصدره فقال شلته من عم الزين . يقول برير للزين انت عارف ان ابنتي توفيت فرد صديقي نعم وجيتك . قال جاء كذلك تقلية ليعزيني في بوابة المسجد . خشى الدخول فلما سالته قال انا بشرب (سلس) وخايف اخش ! ثم فتح يديه بالفاتحة ومد لي المال كحصته في كشف الوفاة فرفضت بادئ الامر إستلامه ! فبكى ثم اقسم انه استدانه منك فخشيت ان أكسر خاطره فقبلته وجئتك ! قال الزين وانت تقلية بعرفك من وين ! فرد الشيخ في طريقي للذهاب والاياب التقيه . مرات ان وجدته على الارض اعدل جلسته واحيانا امنحه قطعة رغيف او حاجة كدا . اضاف الشيخ لاحظت بمرور الايام اني إذ عبرت نفض يديه مصافحا بإبتسامة وان كان في جدل مع صبية السوق وامرته بالتوقف إنصاع والخجل يبدو عليه
4
يروي لي الزين أن ذاك التصرف غير نظرته للافضل مع الفتى . فدعاه يعرض عليه العمل بالدكان . فرفض لكنه طلب اعانته في شراء فوط وصابون . فعمل في غسيل السيارات بالسوق . ومع إرتفاع سقف مهاراته وثقة الناس فيه صار يطلبه الجميع . يقول الزين اختبرته مرات كثيرة فكنت اترك بعض المال او المقتنيات فكان يات لي وهو يقول الزين حاجاتك دي نسيتها ! قلت له وترك افعاله القديمة قال بالكامل ! واضاف لا يغرنك منظره هذه اللحظات . ان اكمل يومه وخرج لسكنه الجديد متانقا ..ما بتعرفو

تعليقات
Loading...