هشام عباس زكريا يكتب:الرجل الحلومر .. (معاوية رحال )…مرة أخرى. 

الخرطوم :مرايا برس

– جاء مزاحماً في الصف الأول لصلاة الفجر، رغم أنه وصل متأخراً للمسجد لكنه يصر أن يكون في الصف الأول حتى ولو جاء مسبوقاً، ولن تكون سعيداً لو وقف إلى جانبك في الصلاة فسوف يزعجك بحركاته الدائمة وملاعبة أنفه وفمه ومسح وجهه (وحك) أسفل قدمه عند الركوع والنظر إلى ساعة المسجد ومقارنتها بساعته أثناء الصلاة .. لن تكن من المحظوظين إذا سلمًت بعد الصلاة لتجد (معاوية رحال) في يمينك أو شمالك .. سيحكي لك والناس في قمة الخشوع بعد الصلاة مباشرة عن انجازاته في لجنة المسجد، وكيف أنه جمع التبرعات لصيانة المراوح والتكييف ، وكيف أنه سافر لجلب أفخر الفرش للمسجد، ولولاه لما استجاب أبناء الحي الأثرياء لهذه التبرعات لأنهم يثقون فيه، ويثني (رحال) في كثير من الأحيان على نفسه ويذهب في ذم وهجاء لأحد سكان الحي لأنه لم يشارك في دعم المسجد، وينزل المدح والثناء على كل الذين أرسلوا له التبرعات، ويقلل من قيمة تلك التي وصلت المسجد عن طريق غيره، بل يقول لك صراحة إن المسجد لن يستفيد منها ..لأنه في نظر نفسه هو فقط العارف بنواقص المسجد ويحسن توظيف التبرعات.
– بعد الصلاة يقف (معاوية رحال) في باحة المسجد يراقب المصلين ليضع في ذاكرته الغائبين والمتقاعسين عن صلاة الفجر، ثم يذهب إلى داره ليجلس أمام شجرة جعلها مكتباً له بعد أن تقاعد عن العمل حيث ألصق فيها صندوقاً خشبياً فيه أختام لجنة الحي فهو يرأس لجنة التعمير .. يأتيه الشاي من منزله في الشارع حيث يتفرغ للذاهبين للعمل ويعلن لكل الناس أسماء الغائبين عن صلاة الصبح حيث يسأل بصوت عالٍ أبناء وزوجات الغائبين وهم يتأهبون للذهاب للمدارس والعمل .. عقد (معاوية رحال) صداقة مع سائقي الترحيلات وأصحاب (الركشات) الذين كان يصر على دعوتهم للشاي تحت شجرته فهم مخزن الأسرار وعن طريقهم عرف أخطر الحكايات .. كان ينثر هذه القصص لرواد شجرته ويقول لهم إن ذلك (سر كبير) ومن أصحاب (الركشات) تتسلل الأخبار إلى رواد الشجرة لتصبح مادة السمر مع زوجاتهم اللاتي يتلذذن بأخبار (معاوية رحال).
– في النهار يقضي (معاوية رحال) وقته في مقاهي السوق الكبير، ويتجنب مجالسة المعاشيين، ويتردد على مقاهي الرياضة فهو عضو مجلس إدارة نادي كبير ويعرف كيف (يخطف) اللاعبين المرموقين، ويذهب إلى دار الرياضة مشجعاً لكنه يجلس وسط صفوة القوم في (المقصورة) .. ويقتطع جزءاً من نهاره ليزور المؤسسات وكبار الموظفين في مكاتبهم ليحكي لهم عن انجازاته في العمل الطوعي واسهاماته في المسجد والنادي ولجنة التعمير وجمعية الحي والطرق الصوفية والتحصين ومجلس الآباء وتأهيل المقابر ورعاية الفقراء وزيارة المرضى وتكفين الموتى. قمة سعادته أن يجد كلمات ثناء وشكر وتقدير، وتتضاعف السعادة لو زاره مسؤول كبير تحت شجرته أمام داره، أو شاهده عملياً وهو يقدم هذه الخدمات أو يختم ورقة أو يحل قضية.
– في كل مناسبة في الحي تجد (معاوية رحال) هو الآمر والناهي فهو الذي يوجه (الطباخ) ويشرف على تنظيم مكان الاحتفال وتوزيع الطعام وينفعل لأبسط المواقف، ويوجه كلمات اللوم للشباب الذي لا يشارك في تقديم الخدمات للضيوف، وبعد فترة وجيزة تجد كل أهل الاحتفال العريس وأبو العريس وإخوانه ينادون (رحال) ويطلبون منه الخدمات فيصبح في لحظات النجم الأول وتنهال كلمات الثناء من المدعويين والمتابعين لشهامته، أما إذا كان هنالك احتفال غنائي فهو مَنْ يقدم الفنان عبر المايكرفون ويمجد العريس وله أسلوب في الرقص و(العرضة) ينتظره كثير من سكان الحي فهو يفوق الشباب في التعبير عن الطرب ويجد التشجيع من الفاتنات الحاضرات للاحتفال فله شعبية مميزة بحكم صلاته المنزلية وجلوسه تحت شجرته في الشارع أغلب الوقت.
– رغم أنه في منتصف الستينيات إلا أن هيئته وملبسه ونشاطه وحيويته تقول إنه في منتصف الأربعينيات .. فله صفحة في الفيس بل وأكثر من ألف صديق وصديقة وفي بعض الأحيان يشرف على تدريب فريق الناشئين بالحي.
– (معاوية رحال) .. رجل (حلومر) .. يكمن إبداعه في المتناقضات التي يحملها .. معاوية رحال موجود في كل حي سوداني هو كعصير الليمون (حامض) ومُحلّى بالسكر يجلب الصحة والعافية.
– لكل معاوية رحال في بلدي… أنتم طعم الحي ونكهته..

تعليقات
Loading...